فخر الدين الرازي

202

تفسير الرازي

فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه ، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك ، وأما بالنفس والبدن فكذلك فإن الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام ، وأما الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر فيقدم ، وقوله تعالى : * ( فإذا ذهب الخوف سلقوكم ) * أي غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون نحن الذين قاتلنا وبنا انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب ، وقوله : * ( أشحة على الخير ) * قيل الخير المال ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثيرو الشر في الوقتين في الأول يبخلون ، وفي الآخر كذلك . ثم قال تعالى : * ( أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً ) * يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظاً فأحبط الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله : * ( وكان ذلك على الله يسيراً ) * إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى : * ( وهو أهون عليه ) * ( الروم : 27 ) وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار ، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه ، فإن من أحرق شيئاً يبقى منه رماد ، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات ، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها ، وأما العمل فهو في العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره ، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم حقيقة وحكماً فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم . * ( يَحْسَبُونَ الاَْحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الاَْحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الاَْعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً * لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) * . أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى :